الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
200
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين . الآية التي بعدها تجسد وضع هذا العالم وتكشف عن أنه ساحة للاختبار والتمحيص والبلاء ، وتوضح الخط الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها . لقد ملأنا العالم بأنواع الزينة ، بحيث أن كل جانب فيه يذهب بالقلب ، ويحير الأبصار ، ويشير الدوافع الداخلية في الإنسان ، كيما يتسنى امتحانه في ظل هذه الإحساسات والمشاعر ووسط أنواع الزينة وأشكالها ، لتظهر قدرته الإيمانية ، ومؤهلاته المعنوية . لذلك تضيف الآية مباشرة قوله تعالى : لنبلوهم أيهم أحسن عملا . أراد بعض المفسرين حصر معنى ما على الأرض بالعلماء أو بالرجال فقط ، ويقولوا : إن هؤلاء هم زينة الأرض ، في حين أن لهذه الكلمة مفهوما واسعا يشمل كل الموجودات على الكرة الأرضية . والظريف هنا استخدام الآية لتعبير أحسن عملا وليس ( أكثر عملا ) وهي إشارة إلى أن حسن العمل وكيفيته العالية هما اللذان يحددان قيمته عند رب العالمين ، وليس كثرة العمل أو كميته . على أي حال فإن هنا إنذار لكل الناس ، لكل المسلمين كي لا ينخدعوا في ساحة الاختبار بزينة الحياة الدنيا ، وبدلا من ذلك عليهم أن يفكروا بتحسين أعمالهم . ثم يبين تعالى أن أشياء الحياة الدنيا ليست ثابتة ولا دائمة ، بل مصيرها إلى المحو والزوال : وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا . " صعيد " مشتقة من " صعود " وهي هنا تعني وجه الأرض ، الوجه الذي يتضح فيه التراب .